فخر الدين الرازي

11

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة السادسة : اعتدنا : أي أعددنا وهيأنا ، ونظيره قوله تعالى في صفة نار جهنم : أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ * [ البقرة : 24 ] ، احتج أصحابنا بهذه الآية على أن النار مخلوقة لأن العذاب الأليم ليس إلا نار جهنم وبرده ، وقوله : أَعْتَدْنا إخبار عن الماضي ، فهذا يدل على كون النار مخلوقة من هذا الوجه واللَّه أعلم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 19 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ( 19 ) اعلم أنه تعالى بعد وصف التوبة عاد إلى أحكام النساء ، واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يؤذون النساء بأنواع كثيرة من الإيذاء ، ويظلمونهن بضروب من الظلم ، فاللَّه تعالى نهاهم عنها في هذه الآيات . فالنوع الأول : قوله تعالى : لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : كان الرجل في الجاهلية إذا مات وكانت له زوجة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه على المرأة وقال : ورثت امرأته كما ورثت ماله ، فصار أحق بها من سائر الناس ومن نفسها ، فان شاء تزوجها بغير صداق ، إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت ، وإن شاء زوجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئا ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية ، وبين أن ذلك حرام وأن الرجل لا يرث امرأة الميت منه ، فعلى هذا القول المراد بقوله : أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ عين النساء ، وأنهن لا يورثن من الميت . والقول الثاني : ان الوراثة تعود إلى المال ، وذلك أن وارث الميت كان له أن يمنعها من الأزواج حتى تموت فيرثها مالها ، فقال تعالى : لا يحل لكم أن ترثوا أموالهن وهن كارهات . المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي كرها بضم الكاف ، وفي التوبة أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [ التوبة : 53 ] وفي الأحقاف حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً [ الأحقاف : 15 ] كل ذلك بالضم ، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم ، والباقي بالفتح ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالفتح في جميع ذلك ، قال الكسائي : هما لغتان بمعنى واحد ، وقال الفراء : الكره بالفتح الإكراه ، وبالضم المشقة ، فما أكره / عليه فهو كره بالفتح ، وما كان من قبل نفسه فهو كره بالضم . النوع الثاني : من الأشياء التي نهى اللَّه عنها مما يتعلق بالنساء قوله تعالى : وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ وفيه مسائل : المسألة الأولى : في محل وَلا تَعْضُلُوهُنَّ قولان : الأول : انه نصب بالعطف على حرف « أن » تقديره : ولا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا أن تعضلوهن في قراءة عبد اللَّه ، والثاني : أنه جزم بالنهي عطفا على ما تقدم تقديره ، ولا ترثوا ولا تعضلوا . المسألة الثانية : العضل : المنع ، ومنه الداء العضال ، وقد تقدم الاستقصاء فيه في قوله : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ [ البقرة : 232 ] . المسألة الثالثة : المخاطب في قوله : وَلا تَعْضُلُوهُنَّ من هو ؟ فيه أقوال : الأول : أن الرجل منهم قد